المهندس أحمد أمين مسعود يكتب: العاصمة الجديدة.. هل تصبح مركزًا إقليميًا للشركات العالمية مع تحولات الحرب؟

السبت، 28 مارس 2026 11:53 ص
المهندس أحمد أمين مسعود

المهندس أحمد أمين مسعود

share

المشاركة عبر

في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتصاعد حدة التوترات في منطقة الخليج العربي، تبرز أمام مصر فرصة استثنائية لإعادة تموضعها كمركز إقليمي جاذب لمقرات الشركات العالمية، خاصة مع تزايد المخاطر التي قد تدفع بعض الكيانات الدولية إلى إعادة النظر في وجودها داخل أسواق الخليج، وعلى رأسها دبي، التي لطالما مثّلت الوجهة الأولى للأعمال في المنطقة.

إن الحديث عن انتقال محتمل للمقرات الإقليمية لا يعني بالضرورة خروجًا جماعيًا من الخليج، لكنه يفتح نافذة تنافسية حقيقية أمام القاهرة، التي تمتلك بالفعل مقومات قوية تؤهلها لاقتناص جزء من هذه التحركات، حال الاستعداد الجاد والسريع. فمصر تمتلك بنية عمرانية حديثة تتمثل في العاصمة الإدارية الجديدة، بما تضمه من مناطق مال وأعمال قادرة على استيعاب مقرات إقليمية لكبرى الشركات متعددة الجنسيات.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في توافر هذه المشروعات، بل في سرعة تجهيزها وتشغيلها بكفاءة كاملة؛ إذ يتعين الإسراع بإدخال المرافق والبنية التحتية لجميع المناطق داخل العاصمة الإدارية، خاصة المناطق الإدارية وحي المال والأعمال، مع ضمان جاهزيتها الفعلية لاستقبال الشركات، وليس الاكتفاء بالطرح أو الترويج، فالشركات العالمية تبحث عن بيئة تشغيل فورية.

وفي هذا السياق، تبرز الحوافز الاستثمارية كعامل حاسم في جذب تلك الكيانات؛ فالمنافسة الإقليمية لا تعتمد فقط على الموقع أو التكلفة، بل على حزمة متكاملة تشمل الإعفاءات الضريبية، وسهولة تأسيس الشركات، وسلاسة تحويل الأموال، وتوفير بيئة تنظيمية مرنة وواضحة، تتحدث بلغة العصر وتدعم التحول الرقمي وسهولة ممارسة الأعمال. ومن هنا، يصبح من الضروري الإسراع في إصدار تشريع خاص بمناطق المال والأعمال، على غرار النماذج الناجحة في المنطقة، بما يعزز جاذبية السوق المصري ويمنحه ميزة تنافسية حقيقية.

ومن اللافت أن مشروع قانون لتنظيم هذه المناطق ما زال قيد المناقشة منذ أكثر من عامين، وهو ما قد يفوّت على مصر فرصة ذهبية في توقيت بالغ الحساسية.

إن توفير مقرات جاهزة ومجهزة بالكامل يمثل خطوة أولى مهمة، لكنها ليست كافية بمفردها؛ إذ تتطلب المنظومة بيئة عمل سريعة وذكية، وحوافز مبتكرة تواكب توقعات الشركات العالمية، التي تبحث عن أسواق آمنة ومستقرة سياسيًا. لذا، فإنني أدعو إلى تشكيل لجنة حكومية متخصصة لإدارة هذا الملف بشكل عاجل، تضم ممثلين عن الجهات الاقتصادية والاستثمارية، وتعمل على وضع خطة تنفيذية سريعة لجذب المقرات الإقليمية.

لقد أظهرت تجارب سابقة، مثل تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، أن الفرص لا تنتظر المترددين، وأن الدول التي تتحرك بسرعة هي التي تحصد المكاسب—وهو ما تجيده دبي دائمًا، من خلال سرعة اقتناص الفرص.

واليوم، تقف مصر أمام فرصة مشابهة، وربما أكبر، في ظل التغيرات الحالية؛ فالحرب الدائرة في المنطقة قد تعيد رسم خريطة مراكز الأعمال، ومصر قادرة على أن تكون ضمن أبرز المستفيدين إذا ما أحسنت استغلال اللحظة.

الفرصة قائمة، لكن اغتنامها يتطلب تحركًا سريعًا، ورؤية واضحة، وإرادة تنفيذية حاسمة؛ فالعالم لا ينتظر، والشركات تبحث دائمًا عن البديل الأكثر استقرارًا وكفاءة، ومصر—بكل ما تمتلكه من إمكانات—قادرة على أن تكون هذا البديل، إذا لم تُهدر الفرصة مرة أخرى.